ناس تكس ليست مجرد جالية في ولاية أمريكية، هي شبكة معقدة من السوريين الذين خرجوا على دفعات مختلفة. جزء منهم خرج في الثمانينات والتسعينات للدراسة والعمل في النفط والطب والهندسة واستقر في هيوستن ودالاس، وجزء خرج بعد 2011 من حمص وحلب ودرعا وريف دمشق، مر بتركيا ولبنان والأردن ثم أعيد توطينه في تكساس. هذا التركيب يخلق داخل المجتمع الواحد طبقتين من الذاكرة، طبقة قديمة تعرف أمريكا جيداً وتملك بيزنس ومطاعم وشركات شحن وعيادات، وطبقة جديدة لا تزال تحسب فرق التوقيت مع أهلها في الداخل وتتعلم كيف تفتح حساب بنك.
في هيوستن يوجد الشارع المعروف بـ Hillcroft حيث المطاعم اليمنية والسورية والعراقية، وهناك مسجد المصلين والمركز الإسلامي الكبير. في دالاس وفورت وورث هناك تجمع في إيرفينغ وريتشاردسون. في أوستن التجمع أصغر وأكثر شبابية ومرتبط بالجامعات. الروابط بينهم ليست تنظيماً واحداً بل مجموعات واتساب، جمعيات صغيرة، مبادرات إغاثية، مطبخ خيري كل جمعة.
ناس تكس يعيشون تناقض يومي. يرسلون حوالات شهرية، يتابعون أسعار الدولار في دمشق، يطبخون الكبة والمحاشي في عيد الشكر، أطفالهم يتكلمون الإنجليزية بلكنة تكساسية واضحة ويردون على أهلهم بعربي مكسر. الولاء عندهم مزدوج، يريدون أن يندمجوا وأن لا ينسوا. كثير منهم لم يزر سوريا منذ 12 أو 15 سنة.
زيارة لطيفة الدروبي إلى هذا الوسط تحمل دلالة مختلفة عن أي زيارة رسمية سابقة. لطيفة الدروبي ليست شخصية سياسية بالمعنى الحزبي. ظهورها العام قليل، خطابها هادئ، وتركيزها منذ أشهر على ملفات التعليم والمرأة والطفل والعودة الطوعية. عندما تصل إلى تكساس، فهي لا تصل كزوجة رئيس فقط، بل كامرأة سورية من خلفية محافظة ومتعلمة، تفهم لغة الأمهات.
اللقاءات التي جرت في تكساس لم تكن في قاعات فنادق فخمة. الصور التي تسربت من اللقاءات تظهر قاعة مركز إسلامي، طاولات مستطيلة، قهوة وتمر، نساء محجبات وغير محجبات، أطفال يلعبون في الخلف. لطيفة الدروبي جلست بدون حاجز، بدون منصة عالية. استمعت أكثر مما تكلمت. هذا الأسلوب كسر حاجزاً كبيراً. ناس تكس اعتادوا على زيارات رسمية متخشبة، كلمات منمقة ووعود. هنا كان هناك سؤال مباشر: ماذا تحتاجون لتفكروا بالعودة، أو على الأقل لتفكروا بالاستثمار في الداخل وأنتم هنا؟
النساء كنّ المحور. في تكساس، المرأة السورية العاملة هي العمود الحقيقي للعائلة المغتربة. هي من تعمل في المدرسة أو المستشفى أو تفتح مشروع منزلي للطبخ، وهي من تحافظ على اللغة العربية في البيت. لطيفة الدروبي تحدثت معهن عن تجربة المدارس البديلة في إدلب وريف حلب، عن محو الأمية الرقمية، عن مراكز الدعم النفسي للأطفال. لم تقدم محاضرة، بل سألت عن تجربتهن في المدارس الأمريكية، كيف تعاملن مع التنمر، كيف حافظن على الهوية بدون عزل.
موضوع التعليم كان هو الأكثر حضوراً. كثير من عوائل تكس لديهم رغبة بأن يتعلم أبناؤهم العربية الفصحى بشكل صحيح، ليس فقط لهجة البيت. طرحت فكرة منصة تعليمية رقمية تشرف عليها كوادر سورية من الداخل والخارج، تدرس المنهج السوري المبسط مع اللغة الإنجليزية. لطيفة الدروبي حملت معها دفاتر صغيرة من إنتاج مطبعة في دمشق، فيها قصص أطفال كتبها معلمون سوريون، وزعتها على الأطفال. الحركة رمزية لكنها أثرت في الأمهات.
الجانب الثاني الذي لمسه ناس تكس هو ملف العودة. لا أحد في تكساس يفكر بالعودة الكاملة الآن، هذا واقع. البيوت مدمرة، فرص العمل قليلة، والأطفال مرتبطون بمدارسهم. لكن هناك فكرة العودة الجزئية أو الدائرية. طبيب أسنان في هيوستن يمكنه أن يقضي شهرين كل سنة في مستشفى بحلب. مهندسة برمجيات في أوستن يمكنها أن تدرب عن بعد فريقاً في اللاذقية. سيدة تملك مطعماً في دالاس يمكنها أن تفتح مطبخاً صغيراً في دمشق وتديره عن بعد. لطيفة الدروبي لم تطلب منهم العودة، وهذا مهم. قالت بوضوح أن الدولة تعرف أن الثقة تحتاج وقت، وأن المطلوب الآن هو جسر وليس نقل كامل.
ناس تكس سألوا أسئلة صعبة. عن الأمان، عن الممتلكات المصادرة، عن التجنيد، عن وضع المرأة القانوني في الدستور الجديد. لم تكن هناك إجابات معلبة. بعض الأسئلة أجابت عنها مباشرة بأن القوانين قيد المراجعة وأن ملف الملكيات هو أولوية لوزارة العدل، وبعضها قالت إنها ستنقله كما هو. هذا الواقعية كانت مقنعة أكثر من أي خطاب تفاؤلي. المغترب السوري سئم من الوعود الوردية.
هناك تفصيلة مهمة في زيارة تكساس وهي البعد عن الإعلام. لم يكن هناك بث مباشر، لم يكن هناك تغطية من قنوات كبيرة. الصور كانت من هواتف الحاضرين. هذا خلق شعوراً بالألفة وليس بالاستعراض. ناس تكس شعروا أن الزيارة لهم وليست للكاميرا. وهذا يفسر لماذا انتشرت صور اللقاء بسرعة في مجموعات الواتساب الخاصة قبل أن تنتشر في تويتر وفيسبوك.
لطيفة الدروبي أيضاً زارت مشاريع صغيرة لسوريات في تكساس. مطبخ منزلي لامرأة من دوما تبيع ورق عنب ومكدوس، متجر عباءات صغير لامرأة من حماة، عيادة أسنان لطبيبة من حمص. وقفت وسألت عن التكاليف، عن الإيجارات، عن كيفية الحصول على التراخيص. هذه الأسئلة العملية كشفت أنها تفهم لغة البيزنس الصغير الذي تفكر فيه الكثير من السوريات العائدات. لم تكن زيارة بروتوكولية بل مسح ميداني.
الحديث عن الهوية كان حاضراً بقوة. أبناء ناس تكس يعيشون أزمة هوية مزدوجة. في المدرسة هم أمريكيون، في البيت هم سوريون. بعضهم لا يريد أن يعرف أنه سوري بسبب ما ارتبط بسوريا من حرب وصور مأساوية. لطيفة الدروبي تحدثت عن فكرة إعادة تعريف ما معنى أن تكون سورياً اليوم، ليس فقط حرب ونزوح، بل حضارة وتاريخ ومطبخ وموسيقى. اقترحت برنامج تبادل صيفي قصير، أسبوعين في سوريا للأبناء المراهقين، يزورون فيه قلعة حلب وسوق الحميدية وجامع بني أمية وجبال الساحل، بدون أي التزام سياسي.
الجانب الاقتصادي لا يمكن تجاهله. تكساس فيها رؤوس أموال سورية معتبرة، خاصة في قطاع النفط والغاز والعقارات والطب. هؤلاء لا يستثمرون بالعاطفة، يستثمرون بالأرقام. سألوا عن الضرائب، عن قانون الاستثمار الجديد، عن إمكانية التملك للمغترب، عن تحويل الأرباح. لطيفة الدروبي لم تدخل في التفاصيل الفنية لكنها كانت تحمل ملخصاً من هيئة الاستثمار، ووعدت بوصول مباشر مع الفريق التقني. مجرد وجود قناة تواصل مباشرة بدون وسيط هو بحد ذاته تقدم كبير بالنسبة لناس تكس الذين اعتادوا أن تسرق أفكارهم أو تتعطل معاملاتهم.
ما يميز ناس تكس عن جاليات أخرى في كاليفورنيا أو ميشيغان هو طابعهم المحافظ نسبياً والعملي. هم أقل انخراطاً في الاستقطاب السياسي الحاد على تويتر، وأكثر انشغالاً بالعمل والبيت. لذلك خطاب لطيفة الدروبي الذي يركز على الأسرة والتعليم والصحة النفسية لامسهم أكثر من أي خطاب سياسي. هي لم تطلب منهم أن يهتفوا أو يصفقوا، طلبت منهم أن يحافظوا على أسرهم.
ردود الفعل بعد الزيارة انقسمت. جزء كبير من الحضور كتب منشورات مؤثرة عن شعوره بأنه رئي لأول مرة. سيدة كتبت أن لطيفة الدروبي ذكرتها بوالدتها في طريقة جلوسها وحديثها. شاب كتب أنه لأول مرة يشعر أن هناك من يمثل سوريا التي يريدها، سوريا الهادئة غير الصارخة. وهناك جزء متشكك، يقول إن الزيارات الجميلة لا تكفي بدون تغيير حقيقي على الأرض في ملفات المعتقلين والعدالة الانتقالية. وهذا التشكيك صحي وموجود حتى داخل القاعة نفسها، ولم يتم قمعه.
الزيارة فتحت أيضاً نقاشاً داخل ناس تكس أنفسهم. هل دورنا فقط أن نرسل مساعدات، أم أن نصبح شركاء في البناء؟ هل نربي أبناءنا ليكونوا أمريكيين فقط، أم سوريين أمريكيين؟ هل نستمر في العيش كضيوف مؤقتين في تكساس منذ 10 سنوات، أم نعترف أننا جزء من نسيج الولاية ونتصرف على هذا الأساس؟
لطيفة الدروبي غادرت تكساس بدون مؤتمر صحفي، تركت وراءها مجموعة واتساب جديدة تضم 70 سيدة سورية من تكساس للتنسيق حول مشروع تعليمي صغير، وتركت انطباعاً بأن الدولة السورية الجديدة تحاول أن تتكلم بلغة مختلفة، لغة قريبة من الناس، لغة تشبه لغة البيوت وليس لغة القصور.
ناس تكس سيعودون إلى حياتهم، إلى دوامهم، إلى مدارس أطفالهم، إلى دفع الإيجار والتأمين. لكن هذه الزيارة ستبقى نقطة مرجعية. ليس لأنها غيرت كل شيء، بل لأنها كسرت جليداً دام سنوات طويلة من القطيعة وعدم الثقة.

تعليقات
إرسال تعليق