مأساة الدكتورة رانيا العباسي: الجرح السوري النازف من قاع المغيبين
تجسّد قصة طبيبة الأسنان وبطلة الشطرنج السورية والعربية، الدكتورة رانيا العباسي، واحدة من أقسى صفحات الاختفاء القسري والجرائم الإنسانية التي شهدتها سوريا على مدار العقد الماضي. هذه العائلة التي غُيبت بالكامل، تحولت صورتها الشهيرة إلى رمز لآلاف الضحايا الذين ابتلعتهم المعتقلات دون أثر.
## الاختفاء المباغت: انتزاع عائلة من الحياة
بدأت الفاجعة في مارس عام 2013، عندما اقتحمت عناصر المخابرات العسكرية التابعة للنظام السوري آنذاك منزل العائلة في حي مشروع دمر بدمشق. اعتُقل في البداية الزوج عبد الرحمن ياسين، ثم عادوا في الأيام التالية ليعتقلوا الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة (ديمة، انتصار، نجاح، آلاء، أحمد، وليان)، الذين تراوحت أعمارهم حينها بين عامين ونصف و14 عاماً، وصودرت كافة ممتلكاتهم وثائقهم الشخصية دون إبداء أي أسباب قانونية. ومنذ ذلك التاريخ، طُوي سجل العائلة في غياهب النسيان والإنكار.
## الإعلان المفجع في عام 2026: الحقيقة المُرّة
بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الترقب والأمل الضئيل الذي تمسكت به العائلة، أسدلت التحقيقات الرسمية الستار عن المصير المأساوي لهؤلاء الأطفال. ففي أواخر مايو 2026، أعلنت "الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا" بالتنسيق مع وزارة الداخلية التوصل إلى نتائج موثوقة بيقين مهني تام تؤكد وفاة أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة عقب اعتقالهم بفترة وجيزة.
وجاءت الصدمة الأكبر من خلال اعترافات الموقوفين والأدلة المرئية؛ حيث تبيّن تورط ضابط الأمن العسكري والمجرم المعروف بسفاح مجزرة التضامن، أمجد يوسف، في تصفية هؤلاء الأطفال الأبرياء بشكل مباشر داخل غرف مظلمة بزعم انتقامه لأخيه، واصفاً إياهم بعبارات انتقامية دموية.
## المصير المعلق والمطالبة بالعدالة
بينما جرى التحقق من هوية الأطفال ومقتلهم الفاجع، لا يزال مصير الدكتورة رانيا وزوجها مجهولاً حتى اليوم، وسط ترجيحات من ناشطين وحقوقيين باحتمالية مقتلهما في الفترة الزمنية ذاتها.
فتحت هذه القضية من جديد ملف "العدالة الانتقالية" في سوريا عقب الانهيار السياسي الذي جرى بالبلاد، مؤكدة أن الوصول إلى الحقيقة ومعرفة مصير الضحايا هو خطوة أولى، لكنها لا تُنهي بأي حال من الأحوال مسار المحاسبة وملاحقة كافة المتورطين في منظومة جرائم الحرب. وتبقى قضية رانيا العباسي شاهداً حياً على كلفة إنسانية باهظة دُفعت في عتمة السجون السورية.
هل تود التركيز على جانب معين في مقال آخر، مثل الوضع القانوني لملف العدالة الانتقالية في سوريا حالياً أو تفاصيل عمل هيئة المفقودين؟
الدكتورة رانيا العباسي - بطلة الشطرنج التي تحولت قضيتها إلى رمز للاختفاء القسري في سوريا
من هي رانيا العباسي ويكيبيديا
رانيا العباسي، واسمها الكامل رانية محمد عيد العباسي، طبيبة أسنان سورية وبطلة شطرنج سورية وعربية، ولدت في 20 يناير 1970 في حي ركن الدين بدمشق. تعتبر من أبرز الطبيبات اللواتي جمعن بين التفوق العلمي والرياضي.
والدها هو الشيخ محمد عيد العباسي، العالم الإسلامي المعروف الذي قضى أكثر من 14 عاماً في سجن تدمر العسكري في عهد حافظ الأسد، ثم خرج وتوفي لاحقاً، لتكمل رانيا مسيرتها المهنية بعيداً عن السياسة.
درست طب الأسنان في جامعة دمشق وتخرجت بتفوق، ومارست المهنة في المملكة العربية السعودية لأكثر من 10 سنوات، قبل أن تعود إلى سوريا عام 2008 وتفتتح عيادتها الخاصة في مشروع دمر بدمشق.
على الصعيد الرياضي، سيطرت رانيا على بطولة سوريا للشطرنج للسيدات طوال عقد كامل، من 1985 إلى 1998، وحصلت على لقب بطلة العرب، ومثلت سوريا في أولمبياد الشطرنج العالمي عدة مرات.
حياة رانيا العباسي الشخصية
تزوجت من السيد **عبد الرحمن ياسين**، وهو رجل أعمال ومهندس، وأنجبا 6 أطفال: 5 فتيات وولد واحد. عرفت العائلة بالهدوء والالتزام والعمل الخيري. لم يكن للعائلة أي انتماء حزبي أو نشاط معارض، وكانت حياتهم تتمحور حول العيادة والبيت والمدرسة.
تشير عائلة العباسي أن التهمة الوحيدة التي قد تكون سببت اعتقالهم هي تقديم رانيا وزوجها مساعدات غذائية لعائلات نازحة من حمص إلى دمشق خلال الحرب.
تفاصيل اعتقال عائلة رانيا العباسي
تعود القصة إلى **مارس 2013**، وهي قصة وثقتها منظمات حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية والشبكة السورية لحقوق الإنسان.
9 مارس 2013: داهمت دورية تابعة للأمن العسكري منزل العائلة في مشروع دمر، اعتقلت الزوج عبد الرحمن ياسين واقتادته لفرع 215 سيء السمعة.
10 مارس 2013: عادت نفس الدورية وصادرت كل ممتلكات العائلة، الأموال والمصاغ وأوراق الملكية والسيارات.
11 مارس 2013: جاءت القوة الأكبر واعتقلت الدكتورة رانيا وأطفالها الستة:
ديمة 14 سنة
انتصار 13 سنة
نجاح 11 سنة
آلاء 8 سنوات
أحمد 6 سنوات
ليان 21 شهراً
معهم صديقة رانيا الممرضة مجدولين القاضي.
منذ ذلك اليوم، انقطعت أخبارهم تماماً، وتحول منزلهم إلى مسكن لضباط الأمن.
مصير العائلة بعد السقوط
بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، كانت عائلة العباسي أول من بحث في السجون والمقابر الجماعية. لم يجدوا أي اسم في سجلات المعتقلين، مما زاد الشكوك بأنهم قتلوا منذ الأيام الأولى.
في عام 2014 كان قد تأكد مقتل الزوج عبد الرحمن ياسين بعد ظهور صورته في تسريبات ملف قيصر لجثث المعتقلين تحت التعذيب.
تأكيد مقتل الأطفال على يد سفاح التضامن
في **30 و31 مايو 2026**، أنهت الدولة السورية الجديدة الجدل. أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين ووزارة الداخلية السورية أن التحقيقات مع موقوفين من النظام السابق كشفت تورط **أمجد يوسف**، المعروف إعلامياً بـ **سفاح التضامن**، في جريمة قتل أطفال رانيا الستة.
ووفق بيان الداخلية، تم العثور في أجهزة أمجد يوسف على مقاطع فيديو توثق وجود الأطفال في غرفة مظلمة، ومقاطع أخرى توثق مقتلهم. وقد تعرفت عائلتهم عليهم وأكد شقيقها حسان العباسي الخبر قائلاً: "استشهد أولاد رانيا بعد أن تأكدنا".
أما مصير الدكتورة رانيا نفسها فيبقى مجهولاً حتى الآن، لكن الهيئة أكدت أن الجهود مستمرة للعثور على الرفات وتحديد أماكن الدفن، مع ترجيحات قوية بأنها قتلت هي الأخرى في نفس الفترة عام 2013.
تحولت قضية رانيا العباسي إلى أيقونة لمعاناة أكثر من 100 ألف مختف قسرياً في سوريا، وقصة أم اختارت البقاء لتساعد الناس فدفعت حياتها وحياة عائلتها ثمناً لذلك.

تعليقات
إرسال تعليق