القائمة الرئيسية

الصفحات

فيديو متداول.. للعثور على سيدة داخل مصرف بالطريق الجديد تردد كلمة بشار الاسـ...عرض المزيد

 فيديو متداول.. للعثور على سيدة داخل مصرف بالطريق الجديد تردد كلمة بشار الاسـ...


ساعات قليلة، تحول مقطع فيديو لا تتجاوز مدته 40 ثانية إلى مادة جدل واسعة على منصات التواصل الاجتماعي في لبنان، بعدما أظهر سيدة داخل أحد المصارف في منطقة الطريق الجديدة في بيروت وهي تردد كلمة "بشار" بشكل متكرر وبحالة يبدو عليها الارتباك الشديد.








الفيديو الذي بدأ تداوله أولاً عبر مجموعات واتساب وتطبيق تيك توك قبل أن ينتقل إلى فيسبوك وإكس، فتح باباً واسعاً للتأويلات السياسية والاجتماعية والنفسية، في بلد لا تزال فيه الذاكرة مثقلة بالعلاقة المعقدة مع النظام السوري السابق، وحيث كلمة واحدة كفيلة بإشعال سجال طائفي وسياسي لا ينتهي.





ماذا يظهر في الفيديو المتداول؟





يُظهر المقطع المتداول، الذي تم تصويره على ما يبدو بهاتف محمول من داخل قاعة انتظار أحد المصارف المعروفة في الطريق الجديدة، سيدة في العقد الخامس أو السادس من العمر، ترتدي عباءة داكنة، تقف قرب شباك خدمة العملاء.





السيدة لا تتحدث مع الموظفين بشكل مباشر، بل تردد بصوت مرتفع نسبياً كلمة "بشار... بشار..." وتشير بيدها، بينما يحاول أحد عناصر الأمن التابع للمصرف تهدئتها، ويظهر في الخلفية عدد من الزبائن ينظرون بدهشة، أحدهم يقول: "يا حجة شو بكي؟".





الفيديو مقتطع، لا يوجد له بداية ولا نهاية واضحة، ولا يظهر ما الذي سبق هذه اللحظة أو ما الذي تلاها. لم يصدر حتى لحظة كتابة هذا المقال أي بيان رسمي من المصرف المعني، كما لم تؤكد أي جهة أمنية رسمية حصول الحادثة من عدمها، ما يجعل التحقق المستقل من توقيت الفيديو ومكانه أمراً صعباً.





ورغم ذلك، فإن تفصيلتين ساهمتا في انتشاره السريع: الأولى هي المكان - الطريق الجديدة، وهي معقل سني بيروتي عُرف تاريخياً بموقفه الرافض للنظام السوري، والثانية هي الكلمة نفسها - "بشار"، في إشارة يعتقد كثيرون أنها تعود للرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد سقوط نظامه في ديسمبر 2024 وهروبه من سوريا.





لماذا أثار الفيديو كل هذا الجدل؟





لا يمكن فهم حجم التفاعل مع هذا الفيديو بمعزل عن السياق اللبناني العام.





1. حساسية الاسم في بيروت:


بالنسبة لقطاع واسع من اللبنانيين، وخاصة في مناطق مثل الطريق الجديدة، فإن اسم بشار الأسد لا يرتبط فقط بشخصية سياسية، بل بمرحلة كاملة من الوصاية السورية على لبنان (1990-2005)، والاغتيالات، والاعتقالات، والتدخلات الأمنية. مجرد ذكر الاسم في مكان عام، وبهذه الطريقة، يعتبر استفزازاً من قبل البعض، وتعبيراً عن حنين من قبل البعض الآخر، وهذا ما ظهر جلياً في التعليقات.





انقسمت التعليقات إلى ثلاث موجات رئيسية:


الموجة الأولى ساخرة، اعتبرت أن السيدة ربما تقصد شخصاً آخر اسمه بشار، كابنها أو زوجها أو أحد الموظفين، وأن الناس تبالغ في التفسير السياسي. وكتب أحدهم: "يمكن ابنها اسمه بشار وعم تدور عليه بالمصرف".


الموجة الثانية غاضبة، طالبت بإخراجها من المصرف واعتبرت ما تقوم به استفزازاً مقصوداً لأهالي المنطقة، وربطت الفيديو بملف النازحين السوريين والخلايا النائمة.


الموجة الثالثة متعاطفة، رأت في السيدة حالة إنسانية تحتاج إلى مساعدة وليس إلى محاكمة رقمية، مرجحة أنها تعاني من اضطراب نفسي أو صدمة أو فقدان للذاكرة.





2. أزمة المصارف كخلفية متفجرة:


المصارف في لبنان منذ عام 2019 ليست مجرد مكان لمعاملات مالية، بل هي مسرح يومي للانهيارات العصبية والاحتجاجات والغضب الشعبي. مشاهد الصراخ والبكاء والاشتباك داخل الفروع أصبحت مألوفة. الضغط النفسي الهائل الذي يعيشه المودعون، وخاصة كبار السن الذين فقدوا جنى عمرهم، يجعل أي سلوك غير مألوف قابلاً للحدوث. كثير من المعلقين أشاروا إلى أن السيدة قد تكون من المودعين الذين يمرون بضائقة، وأن ترديدها لاسم ما قد يكون نتيجة نوبة هلع أو ارتباك.





3. فخ الفيديوهات المجهولة المصدر:


نحن في عصر "اقتصاد الانتباه". فيديو قصير، بلا سياق، مع عنوان مثير مثل "سيدة تردد اسم بشار في الطريق الجديدة" هو وصفة مثالية للانتشار الفيروسي. الخوارزميات تفضل المحتوى الذي يثير الغضب والانقسام، والمستخدمون يعيدون النشر قبل التحقق. حتى الآن، لا أحد يعرف هوية مصور الفيديو الأصلي، ولا تاريخ تصويره الحقيقي. هل هو جديد فعلاً أم قديم وأعيد تدويره بعد التطورات الأخيرة في سوريا؟ هل الصوت مركب؟ كلها أسئلة بلا إجابة، لكنها لا تمنع الانتشار.





القراءة النفسية والاجتماعية: ماذا لو كانت حالة ضياع؟





بعيداً عن السياسة، يرى أطباء نفسيون تواصلت معهم منصات محلية أن ترديد كلمة واحدة بشكل متكرر (echolalia أو perseveration) قد يكون عرضاً لحالات متعددة: اضطراب القلق الحاد، نوبة ذهول، بداية خرف، أو حتى تأثير دواء.





في مجتمع يعاني من وصمة كبيرة تجاه المرض النفسي، يتم فوراً قذف أي سلوك غير مفهوم في خانة المؤامرة أو الاستفزاز السياسي. السيدة التي تظهر في الفيديو تبدو تائهة، لا تحمل لافتة سياسية ولا تهتف بشعار. هي فقط تردد اسماً. التعاطف الإنساني يقتضي أولاً السؤال: هل هذه السيدة بخير؟ هل لديها عائلة تبحث عنها؟ هل تحتاج إلى مساعدة طبية؟





وهنا يبرز جانب آخر خطير: تصوير امرأة في حالة ضعف واضحة ونشر وجهها بوضوح دون تغطية، ودون موافقتها، هو انتهاك صارخ للخصوصية والكرامة الإنسانية. القانون اللبناني يعاقب على التشهير ونشر صور الأفراد في أماكن خاصة دون إذن.





ماذا يجب أن نفعل كمتابعين؟





قصة هذا الفيديو، سواء كانت حقيقية بالكامل أو مجتزأة أو حتى مفبركة، تقدم لنا درساً في كيفية التعامل مع المحتوى المتداول:





أولاً، التوقف عن النشر الفوري: قبل إعادة نشر أي فيديو يظهر فيه شخص في حالة ضعف، اسأل نفسك: هل سيساعد نشري هذا الشخص أم سيضره؟ هل أنا متأكد من القصة؟





ثانياً، فصل الإنساني عن السياسي: حتى لو كانت السيدة تقصد بشار الأسد فعلاً، فهل هذا جريمة تستدعي حملة تنمر إلكتروني؟ لبنان يتجه بعد سقوط النظام السوري إلى مرحلة جديدة تتطلب معالجة هادئة لرواسب الماضي، لا إعادة إنتاج لغة التحريض والكراهية.





ثالثاً، دور المصرف والقوى الأمنية: المطلوب من إدارة المصرف المعني توضيح ما جرى ببيان مقتضب يحفظ خصوصية السيدة، ومن القوى الأمنية التأكد من وصول السيدة إلى عائلتها بسلام إذا كانت حالة ضياع حقيقية، وهو إجراء معتاد في حالات مماثلة في بيروت.





في النهاية، قد لا نعرف أبداً القصة الحقيقية الكاملة وراء سيدة مصرف الطريق الجديدة. قد تكون حكاية مودعة يائسة، أو أم تبحث عن ابنها، أو امرأة تعاني من أزمة صحية، أو حتى مجرد سوء فهم كبير تضخم بفعل وسائل التواصل.





لكن المؤكد أن الفيديو كشف مرة أخرى عن هشاشتنا الجماعية. هشاشة ذاكرتنا التي لا تزال أسيرة اسم، وهشاشة تعاطفنا الذي يسبقه حكمنا، وهشاشة واقعنا حيث يصبح مصرف هو المسرح لكل أنواع الانهيارات، المالية والنفسية والاجتماعية.





الطريق الجديدة، ككل بيروت، لا تحتاج إلى فيديو جديد يفرقها، بل تحتاج إلى قليل من الهدوء والتحقق والرحمة.

تعليقات

التنقل السريع