انسحاب روسيا من مطار حميميم والرصيف التجاري في طرطوس: نهاية حقبة وبداية توازن جديد في الساحل السوري
في تطور وصفته الأوساط السياسية بأنه الأكثر أهمية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، أعلنت وزارة الخارجية السورية اليوم التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الجانب الروسي بشأن مصير القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس، وبدء عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا"، فإن المذكرة تنص على أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري في ميناء طرطوس. وهو ما اعتبره مراقبون إعلانا صريحا عن انسحاب روسيا من أهم واجهتين مدنيتين كانتا تحت سيطرتها لأكثر من عقد، مع الإبقاء مؤقتا على الوجود العسكري البحت في قلب القاعدتين. 5795
هذا الإعلان، وإن جاء بصيغة دبلوماسية هادئة تحت عنوان "إعادة تنظيم"، إلا أنه في جوهره يمثل تحولا استراتيجيا عميقا في خريطة النفوذ الدولي في سوريا وشرق المتوسط.
أولا: ماذا حدث بالضبط؟
وفقا للبيانات المتقاطعة الصادرة اليوم:
مطار حميميم: كانت روسيا تشغل مطار حميميم في محافظة اللاذقية كمطار مزدوج الاستخدام، عسكري ومدني، وهو القاعدة الجوية الرئيسية لانطلاق عملياتها في سوريا والشرق الأوسط وأفريقيا. اليوم تعود إدارة المطار المدنية بالكامل إلى الدولة السورية.
الرصيف التجاري في طرطوس: أكدت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية أن سوريا ستتولى إدارة المواقع التجارية التي كانت روسيا تشغلها سابقا في ميناء طرطوس، بما في ذلك الرصيف رقم 4 والمستودعات والمنشآت التابعة له. a3b5
والرصيف رقم 4 تحديدا كان محور الجدل في الأشهر الأخيرة. فقد كشفت وكالة رويترز الشهر الماضي أن روسيا تسعى إلى إنشاء مركز لوجستي تجاري في ميناء طرطوس باستخدام هذا الرصيف، وهو منطقة مقيدة تقع خارج القاعدة البحرية مباشرة، في محاولة لتحويل وجودها العسكري إلى وجود اقتصادي طويل الأمد. a3b5
المذكرة الجديدة تنهي هذا المشروع بشكل كامل، وتعيد السيادة التجارية والجمركية إلى الحكومة السورية الجديدة.
ثانيا: لماذا هاتان النقطتان مهمتان إلى هذا الحد؟
لفهم دلالة الانسحاب، يجب أن نفهم ما تمثله القاعدتان:
قاعدة حميميم الجوية: ليست مجرد مطار. هي نقطة انطلاق رئيسية للنشاط العسكري ولنشاط القوات شبه العسكرية التي تخضع لسيطرة الكرملين في أفريقيا، وهي التي أمنت الجسر الجوي الروسي منذ التدخل العسكري في 2015 لدعم نظام الأسد. من دون حميميم، تفقد روسيا قدرتها على نقل القوات والمعدات بسرعة إلى المتوسط وأفريقيا. e393
قاعدة طرطوس البحرية: هي مركز الصيانة وإعادة التزود الوحيد لروسيا في البحر المتوسط، وتعد من أهم نقاط الانتشار العسكري الروسي خارج أراضيه. الرصيف التجاري المجاور لها كان يمنح موسكو واجهة اقتصادية لتغطية تكاليف الوجود العسكري، وتحويل القاعدة من عبء مالي إلى مركز ربح لوجستي. e393e9a2
السيطرة على الرصيف التجاري والمطار المدني كانت تمنح روسيا ميزتين: شرعية مدنية لوجودها، ودخل اقتصادي مستدام.
ثالثا: لماذا تنسحب روسيا الآن؟
الانسحاب لم يأت فجأة، بل هو نتيجة تراكم لثلاثة عوامل متزامنة:
1. المتغير الداخلي السوري: بعد انسحاب القوات الروسية من مختلف النقاط والقواعد الأخرى التي كانت تنتشر فيها في عدد من المحافظات السورية عقب سقوط الأسد، وخفض موسكو لعديدها وعتادها في قاعدتي حميميم وطرطوس، أصبحت الحكومة السورية الجديدة في موقع تفاوضي أقوى بكثير. الدولة الجديدة تريد استعادة سيادتها الكاملة على المنافذ، وتحديدا المطارات والموانئ، كشرط أساسي لجذب الاستثمارات الغربية والعربية. 5155
2. الضغط الدولي، وتحديدا الأمريكي: منذ أسابيع، تصاعد الضغط الأمريكي. فقد حصل عضو الكونجرس جو ويلسون الشهر الماضي على تعديل لميزانية البنتاجون يوجهها لتقييم الخيارات المتاحة للحد من نفوذ روسيا في سوريا وتأمين انسحاب قواتها من طرطوس وحميميم. وردت الخارجية الأمريكية بوضوح: "نراقب عن كثب المشاريع التجارية واللوجستية المدعومة من روسيا في سوريا، ونشعر بالقلق من أن مثل هذه المبادرات ربما لا تسهم في استقرار البلاد"، مع تشجيع دمشق على إشراك "شركاء من الشركات الموثوقة، لا سيما الشركات الأمريكية". 2a8be9a2
3. الإنهاك الروسي وإعادة التموضع نحو ليبيا: تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان ووسائل إعلام غربية رصدت خلال الأشهر الماضية عمليات تفكيك معدات روسية في سوريا ونقلها عبر طائرات شحن هبطت في ليبيا، وتراجع الإمدادات التي كانت تصل عبر سفن مثل "سبارتا" التي نفذت عملية إعادة إمداد لحميميم لأول مرة منذ سقوط النظام السابق في مايو الماضي. هذا يشير إلى أن موسكو بدأت بالفعل خطة بديلة: تقليص وجودها في سوريا المكلفة وغير المستقرة، والتركيز على قاعدة أكثر أمانا في شرق ليبيا وحفتر. f80d0552
رابعا: ماذا يعني هذا لسوريا؟
بالنسبة لدمشق، الانسحاب من الرصيف والمطار هو نصر سيادي واقتصادي مزدوج.
اقتصاديا: ميناء طرطوس هو الرئة التجارية لسوريا. استعادة الرصيف رقم 4 والمستودعات يعني استعادة ملايين الدولارات من رسوم الترانزيت والتخزين، وفتح الباب أمام عقود تشغيل مع شركات تركية وخليجية وأوروبية، وهو ما كانت تمنعه العقوبات المرتبطة بالوجود الروسي.
سياديا: إدارة مطار حميميم من قبل الدولة السورية ينهي ازدواجية السيادة في الساحل. لأول مرة منذ 2015، سيتمكن الطيران المدني السوري والدولي من استخدام المطار دون تنسيق أمني روسي، مما سيسرع إعادة ربط الساحل بالعالم.
سياسيا: هذه الخطوة هي رسالة توازن. سوريا الجديدة لا تقطع مع روسيا - فهي ما زالت تناقش إعادة هيكلة القاعدتين العسكريتين وليس إلغاءهما بالكامل - لكنها تقول لواشنطن وأنقرة والرياض: نحن لسنا امتدادا لموسكو. نحن دولة مستقلة تدير موانئها بنفسها. e393
خامسا: ماذا يعني هذا لروسيا والعالم؟
الخسارة الروسية ليست تكتيكية، بل استراتيجية. مسؤولون أمريكيون يرون أن استمرار استخدام روسيا للقاعدتين يعكس حرص موسكو على الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي على المتوسط يتيح لها دعم عملياتها في الشرق الأوسط وأفريقيا. فقدان الواجهة المدنية يجعل هذا الموطئ مكشوفا ومكلفا. e9a2
فمن دون الرصيف التجاري، تصبح قاعدة طرطوس عبئا لوجستيا خالصا، يعتمد على الإمداد البحري الطويل من البحر الأسود عبر مضيق البوسفور الذي تسيطر عليه تركيا العضو في الناتو. ومن دون مطار حميميم المدني، يصبح أي نشاط جوي روسي مرصودا بالكامل كنشاط عسكري، ويفقد الغطاء المدني.
بالنسبة للمتوسط، هذا يفتح الباب أمام إعادة رسم التوازن البحري. لسنوات، كانت طرطوس هي النقطة الوحيدة التي تكسر احتكار الناتو للمتوسط. اليوم، ومع تقلصها إلى قاعدة عسكرية مجردة تحت التفاوض، قد نشهد عودة الأسطول الأمريكي والفرنسي بقوة أكبر إلى شرق المتوسط.
السيناريوهات القادمة
المذكرة الحالية تتحدث عن "إعادة تنظيم" وليس "انسحاب كامل". وهذا يترك ثلاثة سيناريوهات مفتوحة:
1. الانسحاب التدريجي الكامل: إذا نجحت الحكومة السورية في تأمين بدائل أمنية واقتصادية من تركيا والخليج، فقد تطلب خلال أشهر انسحابا كاملا من القاعدة البحرية نفسها، كما ترددت أنباء عن طلب محتمل للانسحاب من مطار القامشلي بعد طرد الأكراد. 9085
2. البقاء العسكري المصغر: وهو الأرجح حاليا. تبقى روسيا في مساحة ضيقة داخل القاعدتين كمركز صيانة وتزود، دون أي امتيازات تجارية أو جوية مدنية، وبعقد إيجار جديد قصير المدى وبشروط سورية.
3. المقايضة الكبرى: أن تستخدم موسكو ورقة الانسحاب من طرطوس وحميميم كورقة تفاوض مع واشنطن حول أوكرانيا أو ليبيا، مقابل رفع جزئي للعقوبات أو الاعتراف بمصالحها في مكان آخر.
في كل الأحوال، ما حدث اليوم في طرطوس وحميميم هو أكثر من مجرد تسليم رصيف ومطار. إنه إعلان نهاية مرحلة بدأت في سبتمبر 2015 عندما هبطت أول مقاتلة روسية في حميميم لإنقاذ نظام الأسد. اليوم، تطوي سوريا تلك الصفحة، وتستعيد مفاتيح ساحلها، وتقول للعالم إن زمن القواعد الأجنبية التي تدير الاقتصاد قد انتهى، وأن زمن الدولة السورية التي تدير موانئها بنفسها قد بدأ.

تعليقات
إرسال تعليق